محمد أبو زهرة
2189
زهرة التفاسير
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 72 ) وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ . . . ( 73 ) [ آل عمران ] وإن هذه الحال هي أبلغ الضلال الذي ينال العقول ، وهو الفتنة التي تعتريها ؛ ولذلك قال سبحانه : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً . الفتنة هنا هي : الضلال واستهواء النفوس إليه ، وذلك أن الفتنة تطلق بمعنى الاختبار الشديد ، والوقوع في البلايا والشدائد والنوازل ، وأن هؤلاء قد اختبرت نفوسهم بما سلط عليهم من باطل ودعوات إليه ، وسقطوا في الاستجابة لهذا الشر ، فكانت هذه هي الفتنة التي وقعوا فيها باختيارهم ، واستهوتهم الأهواء المردية ، ووقعت بهم البلايا الشديدة ، وقد أراد الله تعالى أن يقعوا فيها باختيارهم ، فالضلال باختيارهم وسلوكهم سبيله ، وتجانفهم عن طريق الحق ، والله تعالى أراد لهم ما اختاروا . وقد بين الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك أن يزيل عنهم ذلك الضلال لأن من يرد الله فتنته وضلاله بكتابة ذلك عليه ، وتسجيله في لوحه المحفوظ ، فلن يملك أحد دون الله شيئا في ذلك ، فلا يستطيع تغييره ، وأنت يا نبي الله لا تستطيع التغيير فلا تحزن لضلالهم ، ولا تهتم لما يقعون فيه : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . . . ( 56 ) [ القصص ] . أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ . إن هؤلاء الذين أركست نفوسهم في الشر والضلال ، حتى صار النفاق دأبهم ، وتحريف القول بعد استقرار مواضعه طريقهم ، واستمراؤهم للكذب يستمعون إليه وصفهم - أولئك المتصفون بهذه الصفات لم يرد الله تعالى أن يطهر قلوبهم ، ذلك أن قلوبهم اكتسبت سيئات تراكمت وتكاثفت ، حتى أربدت ، وخالطها الشر وأصبح ملاصقا لها كأنه جزء من كيانها ، والله سبحانه يأخذ بيد من يرتكب الشر عن جهالة ، أما من اكتسبت نفسه الخطايا وأحاطت به ، فإنه سبحانه وتعالى يتركه ، لينال جزاء ما كسبت يداه ؛ ولذا قال سبحانه :